ملا محمد مهدي النراقي

134

جامع السعادات

وصل الورع عن الحرام ضد عدم الاجتناب عن الحرام التنزه والاحتياط عنه ، وهو الورع بأحد إطلاقيه . فإن الورع قد يفسر بملكة التنزه والاجتناب عن مال الحرام أكلا وطلبا وأخذا واستعمالا ، وقد يفسر بكف النفس عن مطلق المعاصي ومنعها عما لا ينبغي . فعلى الأول يكون ضدا لعدم الاجتناب عن المال الحرام ، ويكون من رذائل قوة الشهوة ، وعلى الثاني يكون ضدا لملكة الولوع على مطلق المعصية ، ويكون من رذائل القوة الغضبية والشهوية جميعا . ثم الظاهر أن التقوى مرادفة للورع ، فإن لها أيضا تفسيرين : أحدهما : الاتقاء عن الأموال المحرمة ، وقد أطلقت التقوى في بعض الأخبار على هذا المعنى . وثانيهما : ملكة الاتقاء عن مطلق المعاصي ، خوفا من سخط الله وطلبا لرضاه . فعلى الأول يكون ضدا لعدم التنزه عن المال الحرام ورذيلة للقوتين معا . ثم اللازم على طريقتنا أن يذكر الورع والتقوى بالتفسير الأول هنا . وبالتفسير الثاني في المقام الرابع الذي نذكر فيه ما يتعلق بالقوتين أو بالثلاث من الرذائل والفضائل . إلا أنا نذكر ما ورد في فضيلتهما هنا ، لدلالة ما ورد في فضيلتهما بالتفسير الثاني على فضيلتهما بالتفسير الأول أيضا ، ولعدم فائدة في استئناف عنوان على حدة لمطلق المعصية وذكر ما ورد في ذمها ، ثم تذييلها بضدها الذي هو الورع والتقوى بتفسيريهما العام . إذ بعد ذكر جميع الأجناس والأنواع والأصناف من المعاصي والطاعات ، بأحكامها ولوازمها وذمها ومدحها ، لا فائدة لاستئناف ذكر مطلق المعصية أو الطاعة ، إذ لا يتعلق بهما غرض سوى ذكر ما ورد في ذم مطلق المعصية ، وما ورد في مدح مطلق الطاعة ، وهذا أمر ظاهر لا حاجة إليه في كتب الأخلاق . نعم ، نشير إلى مطلق العصيان وضده ، أعني الورع والتقوى بالمعنى الأعم ، إجمالا ، ضبطا للأنواع والأقسام .